لو أنّ القدر يملك حاسّة السمع، ويستطيع أن يتلفّظ بالكلمات، لتوقّفتُ عنده لحظةً عارمةً بالشجن، ووجهتُ إليه استفهاماً لاذعاً يرتعش في ثنايا الروح، قائلاً: “يا أيها القدر، لمَ كان جُمع شتات روحي بهذه الروح تحديداً التي لا تُقدَّر لها الاكتمال في دنياي!؟” لعلّي أجد في إجابته المُنشودة تفسيراً لهذا الاقتران الموجع، والسَّبب الكامن وراء توحُّد مسارين كتب عليهما الافتراق الأبديّ.
أما لو كان لهذا القدر كيانٌ ينبض بالدماء، يمتلك قلباً مُدرِكاً يتذوّق مرارة المشاعر، لصارعتُهُ بما اختلج في صدري، وصرختُ فيه بأعلى أصوات الصادقين: “أيُّها القَدَر، تذوّق مرارة العشق الحقيقيّ! جرّب لوهلةٍ واحدة أن تسلك دروب المحبّة حتى تبلغ تخوم الوجع وأقصى حدود الألم!” حينها فقط، سَتُدرك يقيناً ما معنى أن تشعر أنّ كيانك كلّه صار مُعلّقاً بخيطٍ واهٍ بكيانٍ آخر، بات قطعةً لا تتجزّأ من ذاتك، حتى ليخال المرء أنّ هذه الروح وُلِدَت لتُصاحب تلك الروح في كلِّ أطوارها.
ثمّ يأتي حكمك القاسي، وتُصدِر قرارك المُفجع على مسامع القلب المُتيّم: “إنّه ليس لك!” تلك الكلمات التي تسحق بقايا الأمل، وتُحوّل النبض إلى جمرٍ يكتوي به الفؤاد، رغم كلّ ما بُذل من تضحيات، وكلّ ما عُقِدَ من آمالٍ وأحلام.
ولو أنّ لهذا القدر صورةً مُجسّدة، وجهاً يمكن مُواجهته والنظر إليه، لَما تردّدتُ لحظةً في الوقوف أمامه، وبسطتُ أمامه يد المُطالب بحقّه، ولَواجهتُهُ بكلِّ شجاعةٍ وصراحة، مُعلناً عن حقي الأصيل والمُقدّس في هذا الحبّ العميق الذي أضناني، وفي هذه المشاعر الصادقة التي أورثتها روحي لتلك الروح.
لكنّ القدر، يبقى صامتاً صمتَ القبور، لا يُبدي اعترافاً ولا يُجيب على استغاثة، وكأنّه جدارٌ سميكٌ لا يملك وسيلة للتعبير. ويبقى هذا الصمتُ المَهُولُ أشدّ عُمقاً وأبلغَ دلالةً من أيِّ تساؤلٍ قد يتبادر إلى الذهن، وأكثر قسوةً ومرارةً من أيِّ إجابةٍ قد تُطفئ لهيب الشوق أو تُسكّن روعَ الفقدان. في صمته تكمن كلّ الأسرار، وتُوارى كلّ الحقائق المؤلمة.